في شهر نيسان من عام 1989، وقبل هبة نيسان بأيام قلائل، كتب الشاعر حيدر محمود قصيدة ساخنة جداً في انتقاد الحكومة التي كان يرأسها زيد الرفاعي وقتذاك. وكانت الأجواء الشعبية ساخطة بشدة على الحكومة وعلى الوضع العام، مما جعل حيدر محمود يجاوز قيود وظيفته (وكان وقتها مستشاراً حكومياً) ويكتب هذه القصيدة الصاخبة، والتي أصبحت اليوم أكثر صلاحية منها قبل 21 عاماً!
نشيد الصعاليك:
عفا الصّفا.. وانتفى.. يا مصطفى(1).. وعلتْ
ظهورَ خير المطايا.. شرُّ فرسانِ
فلا تَلُمْ شعبك المقهورَ، إنْ وقعتْ
عيناكَ فيه، على مليون سكرانِ!
قد حَكّموا فيه أَفّاقينَ.. ما وقفوا
يوماً «بإربدَ» أو طافوا «بشيحانِ»
ولا «بوادي الشّتا» ناموا.. ولا شربوا
من ماءِ «راحوبَ».. أو هاموا «بشيحان»!
فأمعنوا فيه «تشليحاً».. و«بهدلةً»
ولم يقلْ أَحدٌ «كاني.. ولا ماني!»
ومن يقولُ؟.. وكلُّ الناطقين مَضَوْا
ولم يَعُدْ في بلادي.. غيرُ خُرسانِ!
ومَنْ نُعاتبُ؟.. والسكيّنُ مِنْ دَمِنا
ومن نحاسِبُ؟.. والقاضي هو الجاني!
يا شاعرَ الشَّعبِ..
صارَ الشّعبُ.. مزرعةً،
لحفنةٍ من «عكاريتٍ».. و«زُعرانِ»!
لا يخجلونَ..
وقد باعوا شواربَنا..
من أن يبيعوا اللحى،
في أيّ دكّانِ!!
فليس يردعُهُمْ شيءٌ، وليس لهمْ
هَمُّ.. سوى جمعِ أموالٍ، وأعوانِ!
ولا أزيدُ..
فإنّ الحالَ مائلةٌ..
وعارياتٌ من الأوراقِ، أَغصاني!
وإنّني، ثَمَّ، لا ظهرٌ،
فيغضبَ لي..
وإنّني، ثَمَّ، لا صدرٌ
فيلقاني!
ولا ملايين عندي.. كي تُخلّصني
من العقابِ.. ولم أُدعَمْ بنسوان!
وسوف (يا مصطفى) أمضي لآخرتي
كما أتَيْتُ: غريبَ الدّارِ، وحداني!
وسوف تنسى رُبى عمّانَ «ولْدَنتي»
فيها.. وسوفَ تُضيع اسمي، وعُنواني!
****
عمّانُ!!
تلك التي قد كنتُ بلبلَها
يوماً!.. ولي في هواها
نهرُ ألحانِ..
وربّما..
ليس في أرجائها قَمَرٌ
إلاّ وأغويتُهُ يوماً،
وأغواني!
وربّما..
لم يَدَعْ ثغري بها حجراً
إلاّ وقبَّلَهُ تقبيلَ ولهانِ
وربَّما.. ربّما..
يا ليتَ «ربّتَها»..
تصحو.. فتنقذَها من شرِّ طوفانِ!
وتُطلعَ الزّعتر البريَّ، ثانيةً
فيها.. وتشبك ريحاناً، بريحانِ
وتُرجعَ الخُبزَ خبزاً،
والنبيذَ كما..
عهدتَه.. في زمانِ الخير «ربّاني»!
وتُرجعَ النّاس ناساً،
يذهبونَ معاً..
إلى نفوسهمو.. مِنْ دونِ أضغانِ
فلا دكاكينَ..
تُلهيهم بضاعتُها..
ولا دواوينَ..
تُنسي الواحدَ الثانيَ
ولا.. مجانينَ.. لا يدرونَ أيَّ غدٍ
يُخبّىءُ الزَّمنُ القاسي.. لأوطاني!!
****
ماذا أقولُ (أبا وصفي) وقد وضعوا
جمراً بكفّي.. وصخراً بين أسناني
وقرّروا أنّني - حتّى ولو نَزَلتْ
بي آيةٌ في كتاب الله طلياني!!
وتلك «روما»..
التي أودى الحريقُ بها
تُفتي بكفري..
وتُلغي «صكَّ غفراني!»
وتستبيحُ دمي.. كي لا يحاسبها
يوماً.. على ما جنتْ في حقّ إخواني!
وللصّعاليك يومٌ،
يرفعون بهِ..
راياتِهم.. فاحذرينا، يا يدَ الجاني!
****
يا «خالَ عمّارَ»..
بعضي لا يُفرّطُ.. في
بعضي.. ولو كلّ ما في الكلّ
عاداني..
فكيفَ أُلغي تفاصيلي،
وأشطبُها..؟
وكيف ينكر نبضي.. نبضَه الثاني؟!
وكيف أَفصلُني عنّي، وأُخرجُني
مني.. وما ثمَّ بي إلاّيَ، يغشاني!؟
لقد توحَّدْتُ بي..
حتّى إذا التفتتْ
عيني.. رأتني.. وأنَّى سرتُ..
ألقاني!
****
يا خالَ «عمّارَ»، هذا الزّار أتعبني
وهدَّني البحثُ عن نفسي،
وأضناني..
ولم أعد أستطيع الفهم.. أُحْجيةٌ
وراءَ أحجيةٍ.. والليل ليلانِ!
وإنني ثَمَّ أدري،
أنّ ألف يدٍ...
تمتدُّ نحوي، تُريدُ «الأحمر القاني!»
فليجرِ..
علَّ نباتاً ماتَ من ظمأٍ..
يحيا بهِ، فيُعزّيني بفقداني!
وتستضيءُ به، عينٌ مُسهّدةٌ
فيها - كعين بلادي - نهرُ أحزانِ
وحسبيَ الشعر.. ما لي من ألوذ بهِ
سواه.. يلعنهم في كل ديوانِ..
وهو الوليُّ.. الذي
يأبى الولاءُ.. له
أنْ ينحني قلمي..
إلاّ.. لإيماني!!
*****
1-
ماذا أقول يا حيدر محمود مع حفظ الألقاب ولا احب ذكرها.
قديمك اعمق منك الآن
ام جديدك شوارب بيعت في دكاكين التمسّح والتقرّب ولا اريد ان ازيد.
انت شاعر وشاعر كبير ان قلتها او لم أقلها فأنا النكرة اتوجع كلما قرأت اشعارك القديمة الجميلة ككل القدماء وككل الاشياء العتيقة الفاتنة في وطني.
ولكني اكاد اختنق حين أقرأ لك شعر مدح او وصف مقطوع في معناه وفي عاطفته عن القيمة الحقيقية للشعر.
الوطن ياسيدي لايبحث عن التصفيق بل يبحث عن القصيد، عن جدائل عشق تغرس سوسنا وحبّا وتطرح ثمرا تقدّمه الحروف كعكا للباحثين عن
اعياد لم تأتينا بعد.
أحب ان أقرأ لك كثيرا لأنك تعشق أنثى ليست كأي أنثى وعمان هذه العذراء المكتملة الانوثة وسيدة الحسان والفرسان والامنيات وأنا سيدة الحزن والخجل لعجز قصيدي وشحّ حروفي. تحياتي لك ولكل من يُفتّش في "نمليّات" جدّاتنا عن حكايات عتيقة تُبكينا وتشعلنا حبّا وحنينيا للوطن. تحياتي لكل الاردن فيما اختارت من روائع نحتاج اليها كثيرا وكثيرا.
12/08/2009 -12:46
احسان الفقيه