محمد حسن العمري
حتى فترة ليست بالطويلة كانت مصر هي المحج الأول لأبناء دول الخليج العربي، للعلاج ومتابعة حتى الحالات الطبية المتوسطة والخطيرة، وساهم في ذلك أبناء مصر الذين يهيمنون على معظم المهن الطبية داخل السعودية ودول الخليج العربي، وظلت هذه الحال قائمة إلى أن بدأت تتحول مهن القلوب الرحيمة إلى مهنة استغلال وجشع، لا يتعامل مع مرضى هذه الدول كحالات إنسانية تستدعى الرحمة، بل ينظر إليها كالدجاجة التي تبيض بترولاً، في أعشاش الأطباء والمستشفيات المصرية، فكان نتيجة ذلك أن الدول العربية الأخرى بدأت تسحب البساط من تحت مصر في السياحة العلاجية مثل لبنان وسوريا والتي لحقت بعد حين بمصر من حيث الفكرة والنتيجة!
وحتى قبل أقل من عشرين سنة، كانت الأردن المعروفة بتميزها بالقدرات الطبية هي الملاذ المناسب للعدد الأكبر من مرضى دول الخليج، وهو ما كنا نتباهى به إذ نعمل في هذه الدول.
لكن النتيجة على طريقة محمود درويش إذ شخّص النزاع بين فتح وحماس قائلاً: تبين أننا لسنا مثاليين ولسنا منفردين عن البقية، فما أسرع ما انكشف المستور فغابت معظم الدول الخليجية وظلت السياحة العلاجية عندنا مقتصرة على فقراء العرب القادمين من اليمن وليبيا والسودان والذين بدأوا مثل غيرهم يتذمرون من الاستغلال البشع لهم حال وصولهم لمستشفيات الأردن!
في مهنة الطب هذه لا يوجد ما يحدد طبيب ما، لعمل اجراءت غير مناسبة لأي مريض إلا ضميره، فالمريض الذي يدخل لإجراء عملية إزالة اللوزتين مثلاً قد يخضع لصور أشعة وتحاليل هو بغنى عنها تصل قيمتها لعشرة أضعاف تكلفة العملية نفسها، وهو الأمر الذي يكون منوطا بالطبيب المعالج.
غير ان هذا لم يعد قائماً للأسف حتى في مستشفياتنا المحترمة، حيث أصبح المناوب الإداري مثلاً او محاسب المستشفى من يلقي تعليماته على الطبيب بضرورة إجراء هذا العمل او لا، لتتضخم فاتورة المريض آخر الأمر حسب ما يتوافق مع "الرسالة" و"الرؤية" التي تضحك بها الكثير من المستشفيات على ذقون المرضى وتطال الذقون إلى الأجساد التي تصبح منجم بترول يدر دخلاً على أرباب المستشفيات، التي يملك بعضها أطباء وبعضها يملكه مستثمرون من خارج المهنة أصلاً!
في نظام التأمينات وحيث كنت وما زلت أتمتع بها في الدول التي اعمل بها خارج الأردن، اذا كنت مؤمناً في درجة معينة يتم دخولك فيها بالمستشفى، وهذا ضمن العقد المبرم بين المريض وشركة التامين، وبين شركة التامين والمستشفى، إلا في الأردن وفي فترة الصيف حيث أتمتع بتأمين أردني خاص درجة أولى لم استفد منه في أي وقت، لان مستشفياتنا المحترمة تعتذر لعدم توفر غرف بالدرجة الأولى للمؤمنين صحياً، وهي خدعة تبينت لي من احد كبار الموظفين بإحدى كبرى المستشفيات، حيث تعطى تعليمات بحجز الغرف بالدرجة الأولى للمرضى العرب، على أمل استغلالهم على أكمل وجه، فيما تقوم المستشفيات بمحاسبة شركات التامين على الدرجات المنصوص عليها ببطاقات التامين، فاذا كنت أنا كأردني من القطاع الطبي تعرضت للنصب من كبرى مسشفياتنا الراقية مرتين، بدخولي ومن اعيل بالدرجة غير المبرمة بعقد التامين خلال الصيف ورغم تأكدي بالهاتف من المستشفى نفسها ان غرف الدرجة المؤمن عليها متوفرة، اذا كان يحدث كل هذا لي كأردني، لا اعرف ما هو حال المريض الوافد الذي يدخل البلد ليعود مكسوراً مديناً، ربما يقسم ألف مرة أن لا يعود للبلد!
وعلى القائمين على هذه المهنة ان يعلموا ان الخدمة الفندقية المرفقة مع الخدمة الطبية ليست هي هدف المريض، لان هناك مستشفيات خليجية اعرفها جيداً تقدم خدمات فندقية لسنا قادرين عليها في الأردن، لكن المستوى الطبي الأردني هو هدف المرضى العرب.
واليوم مع وجود مستشفيات خليجية عملاقة ميزانياتها فوق تصور وإمكانات المستشفيات الأردنية مثل الحرس الوطني السعودي وفيصل التخصصي وتوام في الإمارات وحمد في قطر ومستشفيات الكويت العتيدة أيضا، لم تعد أمامنا نوافذ للتنافس إلا بالقدرات الطبية والموضوعية والأخلاق التي يفترض أن تحكم أول ما تحكم هذه المهنة!
إذا أردت أن أتطرف أكثر، فأقول أن القطاع الطبي والسياحة العلاجية من الأولى ان تضبط بواسطة مؤسسة حكومية تمنع الجشع الذي سيقوضها خلال سنوات، وقوض أكثرها فيما مضى، ليست مؤسسة على غرار المؤسسة الطبية العلاجية التي حاربها أول ما حاربها الأطباء ففشلت بامتياز.
ولكن مؤسسة على غرار مكاتب الارتباط تضبط التكلفة العلاجية لاي حالة مرضية مع تصنيف مستوى الخدمة باي مستشفى، وتحديد الإجراءات الطبية المرافقة بلجان متخصصة، تحول دون اي استغلال يذكر، وهو للأسف غير متبع الا بالمستشفيات الحكومية او شبه الحكومية التي لا تفرض عليها اجراءات غير مهنية لجني الأرباح، وهو ما يستحق الإشادة.
وقد شاهدت موقفاً يستحق التسجيل من نبل هذه المستشفيات وهو مركز الحسين للسرطان، عندما رافقت صديقا عربياً بمنصب حكومي كان يريد لوالده ان يدخل هذا المركز، فتم عمل لجنة لدراسة حالته التي كانت في مراحلها النهائية وتم نصح المريض بعدم تكبد خسائر إضافية لان عمر المريض ووضعه لا يستدعى الخضوع للعلاج الكيماوي المرهق والمكلف، فكان من الزائر أن غادر الأردن وهو يثني على وجود قيم نبيلة تحكم هذه المستشفى خلاف الربح والجشع.
وهذا ما حصل مع مريض آخر أردني مقيم بالسعودية، نصحته بعمل فحوصات بإحدى مستشفياتنا الخاصة وكان ابنه الطفل تظهر عليه ملامح القصر، فكتب له طبيب الأطفال هرمون النمو المكلف جداً وطلب منه شراءه من المستشفى كل عام، وتبين لوالد المريض بعد ان ذهب لمستشفى آخر ان ابنه لا يعاني من أي نقص في هرمون النمو وان حالته قصر طبيعي في قامته.
وليست هذه الحالة بأقل من حالة الطفل الليبي التي تنصلت المستشفى عبر مستشارها القانوني من اي مسؤولية عنه بعد ان فقد مسوغات وجوده في الحياة بخطأ طبي معترف به، ونعلم كل العلم ان الإخوة في "الجماهرية العظمى" خير من يدير النزاعات بين العرب اذا ارادوا، لكن بغياب المسؤولية الطبية وضعت هذه الحالة الأردن ـ كل الأردن ـ بموقف محرج، لو كان مضبوطاً بلجنة حكومية لكنا بغنى عن ذلك، ولو حصل لكسبنا سمعتنا بين الأشقاء لان الأخطاء الطبية تحدث حتى في أميركا ومحلها دائما القضاء!
هذا الجشع الذي يدمر سياحتنا العلاجية ويضعها في يد نخبة الله اعلم بها، وقبل ان نفقد البقية الباقية من المرضى العرب الفقراء كاليمنيين، بعد ان فقدنا الاغنياء منهم، نتمنى ان يكون الدور للدولة، فتنقذ ما يمكن انقاذه من احد مصادر الدخل والسمعة والاخلاق، التي تغيب او يغيب بعضها اليوم، جعلت الإخوة العرب يكفرون بأي دولة عربية تكون أمينة على علاجهم فصاروا يحجون بعد الغرب إلى دول لم نكن نعلم أنها ستنافسنا في السياحة العلاجية، مثل الهند والباكستان، واقع مؤلم ليس باقل من الأمراض التي تطال نفوس وجيوب النخب أصحاب المهن الإنسانية هذه!